الإبستمولوجيا المعاصرة: دراسة شاملة في نظرية المعرفة الحديثة

الإبستمولوجيا المعاصرة: دراسة شاملة في نظرية المعرفة الحديثة

الإبستمولوجيا المعاصرة: دراسة شاملة في نظرية المعرفة الحديثة

المعرفة الحديثة



في عالم يتّسع فيه إنتاج المعرفة وتتسارع فيه التغيّرات العلمية والتكنولوجية، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط ما الذي نعرفه؟ بل كيف نعرف؟ وبأيّ شروط يُمكننا أن نَعتَبِر شيئاً ما «معرفة»؟ هذا ما تختصّ به الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة). ومع دخولها إلى العصر المعاصر، توسّعت الإبستمولوجيا لتشمل قضايا اجتماعية، سياسية، تقنية، معرفية، وفلسفية.
في هذه المقالة سوف نتناول الإبستمولوجيا المعاصرة 

1. تعريف الإبستمولوجيا وتاريخها

1.1 ما هي الإبستمولوجيا؟

مصطلح «الإبستمولوجيا» (Epistemology) مشتقّ من اللغتين الإغريقيّتين episteme (المعرفة) و logos (الخطاب أو الدراسة)، فيكون المعنى الحرفي: «دراسة المعرفة / الخطاب المعرفي». كما يُعرّفها بعض الفلاسفة بأنها «الدراسة النقدية لمبادئ وفرضيات ونتائج العلم». (مكتب المأمور)
الفلسفة الأنجلوسكسونية غالباً ما تستخدم مصطلح «نظرية المعرفة» (Theory of Knowledge) بدلاً من الإبستمولوجيا، لكن كلاهما يشيران غالباً إلى المبحث الفلسفي الذي يتناول: ما المعرفة؟ كيف تتكوّن؟ ما مصادرها؟ ما حدودها؟ وما علاقتها بالاعتقاد، والصدق، والتسويغ؟

حسب سحابة المعجم الفلسفي، الإبستمولوجيا هي: «فلسفة تُعنى بدراسة المعرفة بعامة كما يدلّ على ذلك الاسم، بينما فلسفة العلم تُعنى بالمعرفة العلمية بخاصة». (مكتب المأمور)
وبالتالي يمكن القول: الإبستمولوجيا تهتم بالمعرفة في الأبعاد العامة، سواء في العلم، أو العقل، أو الخبرة اليومية، أو البُنى الاجتماعية والمعرفية.

- نبذة تاريخية

  • من جذور الإبستمولوجيا يعود إلى أفلاطون وأرسطو، الذين تساؤلوا عن طبيعة المعرفة، والتمييز بين الرأي والمعرفة.

  • في العصور الوسطى، تربّعت مسائل المعرفة على عرش الفلسفة: هل المعرفة من الله؟ كيف يصل الإنسان إليها؟ ما حدودها؟

  • في العصر الحديث، ومع ظهور الفلسفة الحديثة (ديكارت، هيوم، كانط)، حُفرَت مسارات جديدة في النظر إلى المعرفة، من حيث المصادر (العقل أو التجربة)، والشكّ، والقدرة على المعرفة.

  • في القرن العشرين، ومع فلاسفة مثل هانز غيورغ غادايمر، توماس كون، إرنست سوسا، وغيرها، اتّجهت الإبستمولوجيا إلى النظر في علم المعرفة – ليس فقط كمجرّد تجريد – بل كممارسة اجتماعية، تاريخية، لغوية، وسياسية.

- لماذا الإبستمولوجيا المعاصرة؟

لم تعد الإبستمولوجيا مقتصرة على طرح السؤال «ما المعرفة؟» فحسب، بل توسّعت لتشمل عدة أبعاد: المعرفة في العصر الرقمي، المعرفة الاجتماعية، المعرفة السياسية، المعرفة التقنية، المعرفة العلمية المتحوّلة. كما يقول جون غريكو في مدخله إلى الإبستمولوجيا: «الإبستمولوجيا المعاصرة تستمرّ في طرح الأسئلة التقليدية، لكنها توسّعت أيضاً لتشمل أبعاداً اجتماعية، عملية، لغوية، وسياسية». (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

2. المحاور التقليدية في النظرية المعرفية

قبل التطرّق إلى التحولات المعاصرة، من المفيد استعراض المحاور الكلاسيكية التي شكّلت نواة الإبستمولوجيا.

- طبيعة المعرفة (What is knowledge?)

واحدة من أهم الأسئلة هي: ما الذي يجعل اعتقاداً ما يُعد معرفة؟ التقليد الكلاسيكي قدّم تعريف «الاعتقاد الصادق المبرّر» (Justified True Belief) كتعريف للمعرفة.
لكنّ هذا التعريف تعرّض للتحدّي في القرن العشرين عبر مفارقات (مثل مفارقة إدفن جِتيَير).
ومع ذلك، تبقى مسألة التبرير (justification) والصدق (truth) والاعتقاد (belief) في صلب السؤال المعرفي.

- المصادر (Sources) والمعرفة

من أين تأتي المعرفة؟ هل من التجربة الحسيّة (التجريبية)، أم من العقل (العقلانية)، أم من حدس معيّن؟
تطرّقت الإبستمولوجيا إلى علاقتنا بالحواس، بالذاكرة، بالاستبطان، بالشهادة، بالخبرة، وباللغة. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)
وهنا بدأ يظهر الفرق بين المعرفة العلمية وغير العلمية، وبين ما يُعتبَر معرفة وبين ما ليس كذلك.

- القيمة والحدود (Value & Scope)

من الأسئلة المهمة: لماذا تُعتَبَر المعرفة أكثر قيمة من مجرد رأي؟ وما حدود معرفتنا؟ ما الذي يمكننا أن نعرفه؟ وما الذي لا يمكن؟
هذا يقود إلى مشاكل الشكّ (skepticism)، وإلى حدود المعرفة في مجالات معينة (مثلاً: الأخلاق، الدين، المستقبل). (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

- التبرير وبنية المعرفة (Justification & Structure)

كيف تُبرَّر المعرفة؟ هل يجب أن تكون معرفة جذريّة (foundationalism)؟ أم متماسكة (coherentism)؟ أم هل يمكن أن تكون لا نهائية (infinitism)؟
هذه المسائل تناولتها الإبستمولوجيا الكلاسيكية، لكن أيضاً استمرت في الإبستمولوجيا المعاصرة. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

3. التحولات المعاصرة في الإبستمولوجيا

مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، حصلت تغيّرات جوهريّة في كيفية تناول الإبستمولوجيا، وفي مداراتها البحثية، وفي علاقتها بالعلوم والمجتمع.

- المعرفة الاجتماعية (Social Epistemology)

واحدة من أبرز التحولات هي ظهور مبحث «الإبستمولوجيا الاجتماعية»: حيث تُنظر المعرفة ليس فقط كنتيجةٍ لفرد منفرد يفكّر بمعزل، بل كممارسة اجتماعية مضمّنة في علاقات جماعية ومؤسسية.
مثال: بحث بعنوان «الإبستمولوجيا الاجتماعية وفلسفة الفعل عند ألفين جولدمان» تناول هذا التحوّل، وبيّن أن المعرفة تُعد فعلاً، وأن التسويغ لم يعد محصوراً بالفرد بل يتضمّن الجماعة والمؤسسة. (المجلة العلمیة لکلیة الآداب)
هذا يفتح الباب إلى أسئلة مثل: كيف يؤثر الوضع الاجتماعي أو السياسي للمعرفة؟ من يُعد «عارفاً»؟ من يُسمَع؟ من يُهمَش؟

- المعرفة التقنية والرقمية

في العصر الرقمي، ومع انتشار الذكاء الاصطناعي، والتعلّم الآلي، والخوارزميات، ظهرت تساؤلات إبستمولوجية جديدة: كيف يمكن أن نبرّر المعرفة الناتجة عن خوارزميات؟ ما معيار «المعرفة» في هذه الحالة؟
مثال حديث: بحث عن «إبستمولوجيا الخوارزميات» (epistemology of algorithms) يُعرِّف مبدأ «الموثوقية الحاسوبية» (computational reliabilism) كمنهج لاستحقاق المعرفة في سياق الخوارزميات. (أرشيف أرشيف)
هذه التحولات توحي بأن ما كنا نعتبره مصادر ومعايير معرفة قد تغيّر بفعل التقنية والتحول الرقمي.

- المعرفة بين الثقافات والعولمة

مع العولمة المعرفية، وازدياد التواصل بين نماذج معرفية مختلفة (الغربية، الإسلامية، الآسيوية)، أصبح الموضوع الإبستمولوجي يتعدّى الحدود التقليدية: كيف نتعامل مع أنماط معرفة مختلفة، كيف يتم تسويغها، كيف تُقارن؟
مثال: مقال «Relevance of Contemporary Epistemology on Existing Knowledge: A Critical Analysis of Western Scientific Worldview according to al-Attas Perspective» تناول نقد النموذج الغربي للمعرفة من منظور إسلامي. (Ejournal)
هذا يدلّ على أن الإبستمولوجيا المعاصرة تراعي التعدّدية المعرفية والثقافية، وليس فقط النموذج الغربي.

- علوم الاجتماع والإنسانيات: إبستمولوجيا العصريّة

في الحقول الاجتماعية والإنسانية أيضاً، ظهرت مقالات تناقش «إبستمولوجيا العلوم الاجتماعية المعاصرة». مثال: مقال «The epistemology of contemporary social sciences and humanities» (2025) يتناول كيف تغيّرت أسئلة المعرفة داخل العلوم الاجتماعية. (SpringerOpen)
وبالتالي، الإبستمولوجيا لم تعد محصورة بالفلسفة التحليليّة أو فلسفة العلم فحسب، بل أصبحت تشمل نقد المعرفة في كلّ مجالات النشاط المعرفي.

- المنهجية: من الفرد إلى الممارسة

المقال المتخصّص في منهجية الإبستمولوجيا يقول إن الإبستمولوجيا المعاصرة تأخذ في الاعتبار أن مفهوم المعرفة يخدم التخطيط الفعلي للفرد والجماعة، وأن المعرفة ترتبط بعمل (action) وتنسيق جماعي. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)
بعبارة أخرى، المعرفة ليست فقط ما يُؤمن به الفرد، بل ما يُمارَس به، يُتبادل به، يُحاسَب به اجتماعياً.

4. التيارات الرئيسية في الإبستمولوجيا المعاصرة

سنسلّط الضوء على عدد من التيارات البارزة في الإبستمولوجيا المعاصرة، مع مناقشة موجزة لكلّ منها.

- إبستمولوجيا التبرير (Justification-Centred Epistemology)

هذه التيارات تتابع تقليد التركيز على التبرير: كيف نبرّر معرفتنا؟ ما المعايير؟ هل يجب أن تكون الأسباب واضحة؟ هل يمكن أن نعرف من دون تبرير واضح؟
لكنّ التحدي يأتي من مفارقات مثل: هل الحقيقة + الاعتقاد + التبرير كافية؟ هناك من يقول إن لا، وهنا ظهرت نظريات مثل الموثوقية (reliabilism)، والسببية (causal theory)، والنظرية التماسك-ية (coherentism).
مثال: ما ورد في مقال Routledge بأن الإبستمولوجيا المعاصرة توسّعت خارج التبرير إلى ما هو اجتماعي ولغوي. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

- إبستمولوجيا الفِعْل (Epistemology of Action)

ترى أن المعرفة ترتبط بالفعل، وأن من يعرف ليس فقط من يملك معلومات، بل من يستطيع وتُتاح له الممارسة.
بحسب مقال “Methodology in epistemology: beyond particularism” فإنّه: «يجب ألا تترك النظرية معرفة كيف يؤدّي مفهوم المعرفة وظائفه في المجتمع المعرفي، من التخطيط الفردي إلى التنسيق الجماعي». (Routledge Encyclopedia of Philosophy)
وبذلك، تُصبح المعرفة أداة للفعل والتنسيق، وليست مجرد اقتناء لمجموعة بيانات.

- إبستمولوجيا اجتماعية (Social Epistemology)

كما سبق ذكره، هذا التيار يرى أن المعرفة تتشكّل في إطار جماعي/مؤسسي، وأن هناك تقسيم عمل معرفي، نقد منصّة، إمكانية التمييز بين من يُعد «عارفاً» ومن لا يُعدّ.
مثال: دراسة محمد حفني “الإبستمولوجيا الاجتماعية وفلسفة الفعل عند ألفين جولدمان” تناولت كيف أن المعرفة تُعدّ فعلاً اجتماعياً ومؤسسياً. (المجلة العلمیة لکلیة الآداب)
من مفاهيم هذا التيار: «المرجعية» (testimonial knowledge)، «المعرفة الجماعية»، «المعرفة الموزّعة»، «توزيع مراكز المعرفة».
وهذا فتح الباب أيضاً إلى تحليل التحيّزات المعرفية (epistemic injustice) مثل ما طرحته ميرلاندا فرايير (Miranda Fricker).

- إبستمولوجيا السياق واللغة (Contextualism & Linguistic Epistemology)

مع تطوّر فلسفة اللغة، برزت أفكار ترى أن ما يعنيه «المعرفة» يتغيّر باختلاف السياق، وأن اللغة تلعب دوراً في تشكيل ما نعدّه معرفة.
مثال: ورود في مدخل Routledge بأن العلاقات بين المعرفة، التصريح (assertion)، والفعل، واللغة أصبحت محورية. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)
وهذا يشكّل تحوّلاً من التركيز على المضمون والمعادلة «اعتقاد + صِدق + تبرير» إلى التركيز على كيف يُقال، ومن قال، وتحت أي ظرف قيل.

- إبستمولوجيا التقنية والمعرفة الرقمية (Epistemology of Technology)

في عصر الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، ظهرت إشكاليات معرفية: ما مقدار ما نعرفه عبر الخوارزم ؟ كيف نثق به؟ هل يجب أن نتحقّق من كلّ عملية برمجية؟
مثال حديث: «computational reliabilism as an externalist epistemology of algorithms» يقترح أن المعرفة التي تولّدها الخوارزميات يمكن أن تُبرّر عبر موثوقيّتها، حتى من دون وضوح كلّ خطواتها. (أرشيف أرشيف)
وهذا يُعدّ من الاتجاهات الجديدة في الإبستمولوجيا المعاصرة، ويتصل بالتكنولوجيا، البيانات، الذكاء الاصطناعي.

- إبستمولوجيا ما بعد الحداثة / متعددة المعارف (Post-modern & Pluralistic Epistemology)

مع الانتقادات التي وُجِّهت للمعرفة الكلية/الموضوعية (objective knowledge) التقليدية، ظهرت توجهات تؤكّد على تعدّدية المعارف، التحيّز المعرفي، معرفية الآخر، الثقافة، اللغة.
مثال: مقال جزائري “قراءة في الابستمولوجيا المعاصرة: العلم من منظور جديد” يشير إلى تجاوز المطلقات في العلم الكلاسيكي واستبدالها بنظرية تحولات وتعدد. (الموقع العلمي للجمعيات العربية)
وهكذا، المعرفة تُرى ليس كمرآة مطابقة للواقع فحسب، بل كعملية تاريخية، اجتماعية، لغوية.

5. الإبستمولوجيا المعاصرة: قضايا وإشكاليات معاصرة

5.1 معضلة الشكّ والمعرفة في سياق التقنية

سؤال: هل يمكننا أن نعرف كلّ شيء؟ أم أن هناك حدوداً معرفية؟ في زمن العولمة الرقميّة والبيانات الضخمة، ينبثق السؤال: هل المعرفة التي تُوفّرها كبريات الشركات التقنية «معرفة» بالمعنى التقليدي؟ هل نثق بها؟
التحدي هنا من جانب الشكّ: حتى لو كان لدينا بيانات ضخمة، هل نملك تبريراً، أو وضوحاً، أو شفافية؟ كما يفعل الباحثون في إبستمولوجيا الخوارزميات.
كما يقول المقال: «المعرفة العلمية والتقنية ليست محايدة وقليلة القيم، بل مرتبطة برؤية العالم». (Ejournal)

- التحيّز المعرفي والعدالة المعرفية (Epistemic Injustice)

في الإبستمولوجيا الاجتماعية، تظهر إشكاليات حول من يُمنح صفة «عارِف»، ومن يُستبعد منها. من يَحكُم أن ما يقوله شخص ما «معرفة»؟ من يُعامل كمصدر موثوق؟
هنا يظهر مصطلح «العدالة المعرفية»: أي عدالة في الاعتراف بمصادر المعرفة وإدراجها ضمن الحقل المعرفي.
هذا إشكال حديث نسبياً، لكنّه ضمن التوجهات المعاصرة في الإبستمولوجيا.

- المعرفة في العلوم الإنسانية والاجتماعية

كما أُشير إليه في مقال «The epistemology of contemporary social sciences and humanities»، هناك تساؤل: هل منطق المعرفة في العلوم الاجتماعية/الإنسانية مختلف عن ذلك في العلوم الطبيعية؟ إذا نعم، فما الآثار؟ (SpringerOpen)
وهذا يفتح نقاشاً حول منهجيات البحث، وفرضيات المعرفة، ودور القيم الثقافية والاجتماعية في تكوين المعرفة.

- المعرفة بين الثقافات والنماذج البديلة

مع توسع الحوار المعرفي بين الشرق والغرب، تظهر تساؤلات مثل: هل النموذج الغربي للمعرفة هو النموذج الحاكم؟ هل هناك نماذج معرفية إسلامية، آسيوية، إفريقية، يجب أن تُأخذ بعين الاعتبار؟
مقال “The Relevance of Contemporary Epistemology …” ينتقد النظرة الغربية الأحادية للعلم ويطرح دمجاً معرفياً إسلاميّاً. (Ejournal)
والإبستمولوجيا المعاصرة تنظر إلى هذه المسألة بجدية متنامية.

- المعرفة واللغة والإعلام والرقمنة

في عصر الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، المعرفة يتم إنتاجها وتوزيعها بشكل مختلف: الشهادة (testimony) أصبحت أهم من التجربة العابرة، والتوثيق الجماعي عبر الإنترنت أصبح يشكّل معرفة.
مثال بحث «Crowdsourced science: sociotechnical epistemology in the e-research paradigm» يُظهر كيف أن الأبحاث الجماعية عبر الإنترنت تُنتج معرفة وتغيّر وضع المُتحكّم بالمعرفة. (أرشيف أرشيف)
هذه الممارسات الجديدة تُطرح تساؤلات إبستمولوجية بخصوص الموثوقية ومصادر المعرفة.

-المعرفة والممارسات العملية/ الأخلاق/ السياسة

كيف تتصل المعرفة بالفعل، بالسياسة، بالأخلاق؟ أيّ دور تلعبه المعرفة في اتخاذ القرار؟ في عصر “ما بعد الحقيقة” (post-truth) حيث الحقائق تُساءل، تُصبح الإبستمولوجيا المعاصرة مفتاحاً لفهم كيف ولماذا نُصدّق أو نُشكّ؟
على سبيل المثال، الإبستمولوجيا المعاصرة تنظر إلى العلاقة بين المعرفة والادّعاء (assertion)، والمعرفة والعمل، والمعرفة بالممارسة الاجتماعية. (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

6. العلاقة بين الإبستمولوجيا المعاصرة وبين المعرفة والعلم والمجتمع

- الإبستمولوجيا والعلم

العلم كان دائماً موضوعاً مركزياً في الإبستمولوجيا: كيف يُنتَج؟ ما مناهجه؟ ما حدوده؟
في العصر المعاصر، مع تحولات في العلم – مثل نظرية النسبية، ميكانيكا الكم، علوم الحاسوب، الذكاء الاصطناعي – طرحت الإبستمولوجيا أسئلة جديدة: هل العلم ثابت؟ أم متغيّر؟ ما نوع المعرفة التي يُنتجها العلم الآن؟
مقال “قراءة في الابستمولوجيا المعاصرة: العلم من منظور جديد” تناول كيفية تجاوز المطلقات في العلم الكلاسيكي نحو فهم أكثر ديناميكية للمعرفة العلمية. (الموقع العلمي للجمعيات العربية)
وبالتالي، الإبستمولوجيا المعاصرة تُساعد في فهم التحولات المعرفية للعلم وكيف تشكّل المعرفة العلمية في سياقها الزمني والثقافي.

- الإبستمولوجيا والذات (الفرد)

ما علاقة المعرفة بالفرد؟ كيف يعرف الفرد؟ ما موقع الذات في تكوين المعرفة؟ في الإبستمولوجيا التقليدية كان التركيز على الفرد كعارف منفرد. أما في المعاصرة، فهناك تركيز على الذات في سياق اجتماعي، لغوي، ثقافي، تقني.
مثلاً، الإبستمولوجيا التكوينية لـ جان بياجيه ركّزت على كيفية تكوين المعرفة في الفرد عبر مراحل النمو. (الموقع العلمي للجمعيات العربية)
وهذا يعيد ضبط كثير من الافتراضات: المعرفة ليست مجرد تراكم معلومات، بل هي عملية تكوين، تغيير، تفاعل، مرتبطة بالذات والمجتمع.

- الإبستمولوجيا والمجتمع

المعرفة اليوم تُنتَج في شبكات، مؤسسات، جماعات. من يُنتِج؟ من يُوزّع؟ من يُصدّق؟ من يُهمّش؟ ما هي العلاقة بين المعرفة والسلطة؟
في الإبستمولوجيا المعاصرة، تُطرح أسئلة حول التوزيع المعرفي، مقارنة المراكز المعرفية، التحيّزات المعرفية، العدل المعرفي.
بالإضافة إلى ذلك، تؤثّر المعرفة وتُستخدم في السياسة، الإدارة، الإعلام، الاقتصاد. تصبح المعرفة سلعة، تصبح معرفة قابلة للتسويق أو للاحتكار. وهذا يتطلّب من الإبستمولوجيا أن تكون نقدية — ليس فقط تحليلية.

- الإبستمولوجيا والتقنية

كما أشرنا، التقنية تغيّرت وباتت تولّد معرفة. الخوارزميات، الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، وسائل التواصل، كلها تغيّر طريقة إنتاج المعرفة وتوزيعها واستحقاقها.
إشكاليات مثل: هل الخوارزمية «تعرف»؟ هل يمكن أن تكون مصدر معرفة؟ كيف نرفض أو نثق؟ هل هناك ما نسميه «معرفة خوارزمية»؟
هذه هي أسئلة إبستمولوجيا التقنية والمعرفة الرقمية.

7. التوصيات

  • الإبستمولوجيا هي مبحث مركزي في الفلسفة المعرفية، يهتمّ بطبيعة المعرفة، مصادرها، نقدها، حدودها، قيمتها.

  • في المعاصرة، توسّعت لتشمل أبعاداً اجتماعية، تقنية، لغوية، ثقافية، وسياسية، وتفاعلت مع العلوم والإنسان والمجتمع.

  • التيارات المعاصرة مثل: الإبستمولوجيا الاجتماعية، إبستمولوجيا التقنية، إبستمولوجيا اللغة، إبستمولوجيا الفعل، تجلّيات لكلّ هذه التحولات.

  • من أبرز التحدّيات: عدالة المعرفة، المعرفة في عصر الرقمنة، تعدّدية المعارف، التبرير في سياق الخوارزميات، دور الذات والمجتمع في المعرفة.

  • العلاقة بين الإبستمولوجيا والعلوم، والذات، والمجتمع، والتقنية تظهر أن المعرفة ليست منفصلة عن السياق، وأن النظر إليها كمجرد تراكم معلومات لم يعد كافياً.

- توصيات للباحثين والمهتمّين

  • ينبغي على الباحث في الإبستمولوجيا أن يكون واعياً بالتحولات التقنية والاجتماعية الجارية، وأن يؤدّي دوراً نقدياً وليس مقتصراً على التفسير.

  • في تدريس الإبستمولوجيا (في الجامعات أو خارجها)، من المفيد أن تُدرَج موضوعات مثل: المعرفة الرقمية، عدالة المعرفة، التحيّز المعرفي، وكذا المعرفة في السياقات غير الغربية.

  • في الأبحاث الميدانية، يمكن الربط بين النظرية المعرفية والممارسات المعرفية (مثلاً: كيف تُنتَج المعرفة في وسائل التواصل؟ كيف يُنتج «التوثيق الرقمي» معرفة؟).

  • من المفيد أيضاً أن يُسهم الباحثون العرب والمسلمون في بناء نماذج معرفية تفاعلية تأخذ في الاعتبار السياق الثقافي والحضاري، لا أن تقتصر المعرفة على النموذج الغربي فقط.

المصادر

عبد الرحمن محمد طعمة، «الإبستمولوجيا التّكوينية للعلوم: مقاربة بينية للنّموذج اللّساني المعاصر»، مجلة ASJP، المجلد 19، العدد 4، 2017. (الموقع العلمي للجمعيات العربية)

  • محمد سليم محمد حفني، «الإبستمولوجيا الاجتماعية وفلسفة الفعل عند ألفين جولدمان: دراسة تحليلية في الإبستمولوجيا التطبيقية»، مجلة بحوث فلسفية، كلية الآداب – جامعة سوهاج، 2023. (المجلة العلمیة لکلیة الآداب)

  • جميلة ألزيد، «قراءة في الابستمولوجيا المعاصرة: العلم من منظور جديد»، مجلة مقاربات فلسفية، المجلد 4، العدد 1، 2017. (الموقع العلمي للجمعيات العربية)

  • كتاب: روبرت أودي، «الإبستمولوجيا: مقدّمة معاصرة في نظرية المعرفة»، دار الروافد الثقافية، ترجمة إسلام سعيد، 2024. (مكتبة العربيّة)

  • John Greco, «Epistemology», في Routledge Encyclopedia of Philosophy, v.3 (2021). (Routledge Encyclopedia of Philosophy)

  • H. Cai, «The epistemology of contemporary social sciences and humanities», Int. J. Anthropol. Ethnology, 2025. (SpringerOpen)

  • Juan Manuel Durán, «Beyond transparency: computational reliabilism as an externalist epistemology of algorithms», arXiv, 2025. (أرشيف أرشيف)

  • Gennady Shkliarevsky, «Deconstructing the Quantum Debate: Toward a Non-Classical Epistemology», arXiv, 2008. (أرشيف أرشيف)

  • David Watson & Luciano Floridi, «Crowdsourced science: sociotechnical epistemology in the e-research paradigm», arXiv, 2016. (أرشيف أرشيف)

الإبستمولوجيا المعاصرة، نظرية المعرفة، فلسفة العلم، المعرفة الاجتماعية، المصادر المعرفية، تسويغ الاعتقاد، المعرفة العلمية، المعرفة التقنية، العولمة المعرفية.




المقال السابق
المقال التالي

كُتب بواسطة:

0 Comments: