الفرق بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي: رؤية شاملة لفهم مفهومي المستقبل الاقتصادي
يمكنك القراءة هنا ايضاً:
الفرق بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي: رؤية شاملة لفهم مفهومي المستقبل الاقتصادي
اقتصاد السوق: مفهومه وأهميته في تنظيم العرض والطلب وتحقيق النمو الاقتصادي
في العقدين الأخيرين، باتت اقتصاديات العالم تشهد تحوّلات جوهرية، لم تَعد تُحكَم فقط بعوامل الإنتاج التقليدية – كالأراضي والعمالة والموارد الطبيعية – وإنما باتت تُوجَّه بشكل لافت نحو المعرفة والمعلومات والتقنيات الرقمية. في هذا السياق، ظهرت مفاهيمان مترابطان وهامان: اقتصاد المعرفة (Knowledge Economy) والاقتصاد الرقمي (Digital Economy). وغالباً ما يُستخدمان بالتبادل أو قد يُنظر إليهما كجزء من بعضهما البعض، لكن عند التدقيق يتبيّن أن هناك فوارق جوهرية بينهما، فضلاً عن علاقة تفاعلية معقّدة.
إن فهم الفرق بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي ليس مجرد مسألة لغوية أو مفهومية، بل له آثار عملية على السياسات الاقتصادية والتنموية، وعلى كيفية تصميم الخطط الوطنية والقطاعية، وعلى كيفية تحديد أولويات التعليم والتدريب والتكنولوجيات، وعلى كيفية تقييم التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول والمجتمعات.
في هذا المقال، سوف نستعرض التعريفات والمفاهيم، نحلل أوجه التشابه والعلاقة، ثم نركّز على الفوارق الجوهرية، ونناقش كيف يمكن لكل من المفهومين أن يُستخدم في التخطيط الاقتصادي، وأخيراً نسعى لتقديم توصيات معتمدة على الفهم المتعمّق للمصطلحين.
تعريف اقتصاد المعرفة
المفهوم
اقتصاد المعرفة هو ذلك النمط الاقتصادي الذي يُعطي أهمية محورية للمعرفة – أي الخبرات، المهارات، الأبحاث، الابتكار، وُصولاً إلى الملكية الفكرية – كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي والتنمية. بحسب موقع Investopedia:
«The knowledge economy refers to a system where human capital—knowledge, skills, and intellectual property—drives the production of goods and services, rather than physical assets or labour.» (Investopedia)
وكذلك تُعرّف ويكيبيديا بأنه:
«A knowledge economy features a highly skilled workforce… Knowledge is viewed as an additional input to labour, and capital.» (ويكيبيديا)
المكونات أو الركائز
بحسب دراسات عديدة، اقتصاد المعرفة يرتكز على عدد من الركائز أو العوامل الأساسية منها:
-
رأس المال البشري: التعليم، المهارات، الخبرات، الابتكار. مثلاً دراسة سعودية أوضحت أن «تحسين أداء رأس المال البشري» من أهم مبادرات اقتصاد المعرفة في السعودية. (EKB Journals)
-
بنية معلوماتية وتقنية: البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، قدرة الوصول إلى المعلومات. مثلاً «أهمية اقتصاد المعرفة… تعتمد بالأساس على المعرفة العلمية … وتكنولوجيا المعلومات والاتصال». (EKB Journals)
-
الابتكار والبحث العلمي: توليد المعرفة وتطبيقها، القدرة على تطوير منتجات وخدمات قائمة على المعرفة. دراسة «The Knowledge-Based Economy and the Triple Helix Model» تشير إلى العلاقة بين الجامعات، الصناعة، والحكومة في خلق بيئة مبتكرة. (arXiv)
-
النظام المؤسسي والحوافز: السياسات والتشريعات التي تشجّع على استخدام المعرفة، حماية الملكية الفكرية، تشجيع ريادة الأعمال. مثلاً المصدر العربي: «اقتصاد المعرفة ودور التعليم العالي» يشدّد على دور التعليم العالي في هذه المنظومة. (الاقتصادية)
السمات الرئيسية
-
تغيير طبيعة الإنتاج: المعرفة تصبح أحد عوامل الإنتاج الرئيسية وليس فقط رأس المال المادي أو العمالة التقليدية.
-
التركيز على القيمة المضافة: سلع وخدمات عالية المعرفة تحتوي على قيمة أعلى وتقلب أقل في المنافسة التقليدية.
-
الاعتماد على الأصول غير الملموسة: براءات الاختراع، العلامات التجارية، الأبحاث، خبرات العاملين. مثلاً بعض الشركات الكبرى أصبحت أصولها غير الملموسة تمثّل الجزء الأكبر من قيمتها. (ft.com)
-
اقتصاد غالباً بعد-صناعي: بالاتجاه نحو الخدمات، المعلومات، الابتكار، وليس فقط نحو التصنيع أو الموارد الطبيعية.
أهمية وأثر
في العالم العربي، أبرزت بعض الدراسات أن اقتصاد المعرفة يمكن أن يكون وسيلة لعبور الفجوة الرقمية والتنموية. على سبيل المثال دراسة في اليمن عن «دور اقتصاد المعرفة في عبور الفجوة الرقمية». (journal.qau.edu.ye)
كما أن هناك تأثير مباشر على تحسين كفاءة رأس المال البشري ورفع الإنتاجية. (EKB Journals)
ويعتمد النمو الحديث للدول المتقدمة بدرجة كبيرة على اقتصاد المعرفة والأصول غير الملموسة.
تعريف الاقتصاد الرقمي
المفهوم
الاقتصاد الرقمي هو النمط الاقتصادي الذي تعتمد فيه الأنشطة الاقتصادية كلياً أو جزئياً على التقنيات الرقمية – الإنترنت، الأجهزة المتصلة، البيانات، الحوسبة السحابية، الذكاء الاصطناعي – ويتحوّل فيه إنتاج وتوزيع وتبادل السلع والخدمات إلى فضاء رقمي أو مدعوم رقمياً. على سبيل المثال، تعرف هيئة الحكومة الرقمية السعودية «الاقتصاد الرقمي» بأنه:
«Economic activities based in whole or in part on digital transformation. It includes indirect impacts of digital and traditional sectors. The digital economy includes digital assets (for example, communication and information technologies, and emerging technologies), and digital services (value added from the use of digital assets) and indirect impacts.» (الديوان العام السعودي)
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة:
«The backbone of the digital economy is hyperconnectivity which means growing interconnectedness of people, organisations, and machines that results from the Internet, mobile technology and the internet of things (IoT).» (u.ae)
وعبر TechTarget:
«The digital economy refers to the economic activities that emerge from connecting individuals, businesses, devices, data and operations through digital technology.» (techtarget.com)
المكونات أو الركائز
الدراسات الحديثة تبيّن أن الاقتصاد الرقمي يقوم على عدد من الدعائم/الركائز، ومنها:
-
البنية التحتية الرقمية: شبكات الإنترنت، الحوسبة السحابية، مراكز البيانات، أجهزة الاستشعار، الإنترنت للأشياء. مثلاً إطار البنك الدولي: «Digital Economy Framework» يشمل «Digital Infrastructure» كركيزة أولى. (البنك الدولي)
-
رأس المال البشري والمهارات الرقمية: انتشار المهارات التقنية، استخدام التقنيات الحديثة، التدريب في التقنيات الجديدة. مثلاً في Strategy& تقرير: «Digital Economy Index… يرتكز على المواهب» . (PwC)
-
التكنولوجيا والابتكار الرقمي: أنظمة الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التقنيات الناشئة. مثلاً تقرير «Five Pillars of the Digital Economy Framework» لـ WIPO يشمل «Enabling Technologies». (wipo.int)
-
البيئة التنظيمية والتشريعية الرقمية: حماية البيانات، الأمن السيبراني، تشريعات التجارة الرقمية، الحوافز.
-
الاستخدام والتبني: مدى انتشار الخدمات الرقمية، التجارة الإلكترونية، المنصّات الرقمية، الاقتصاد التشاركي. مثلاً Eurofound تعريفه يشير إلى «businesses that sell goods and services via the internet, and digital platforms that connect spare capacity and demand». (Eurofound)
السمات الرئيسية
-
تقنية المعلومات والاتصال ليست مجرد وسيلة، بل عنصر جوهري في الإنتاج والخدمة.
-
التبادل الرقمي: نشاطات رقمنة الخدمات، المنصّات الرقمية، التجارة الإلكترونية، الدفع الرقمي.
-
التحوّل في نماذج العمل: ظهور العمل عن بُعد، الاقتصاد التشاركي، المنصّات الرقمية، البيانات كأصل.
-
التداخل بين القطاعين الرقمي والتقليدي: الاقتصاد الرقمي لا يقتصر على شركات التكنولوجيا فقط، بل جميع القطاعات التي تستخدم الأدوات الرقمية أو تُحوّل رقميًا.
-
السرعة والتوسع العالمي: القدرة على الوصول إلى أسواق عالمية عبر الإنترنت، تقليل الحواجز الجغرافية، انخفاض تكلفة المعاملات.
أهمية وأثر
بحسب أبحاث حديثة، الاقتصاد الرقمي أصبح محركًا رئيسياً للنمو الاقتصادي، والتنمية المستدامة، والتنافسية الدولية. دراسة «The importance of the digital economy and its effectiveness in the global economy» تناولت مدى مساهمة الاقتصاد الرقمي في تطوير القطاعات وزيادة الناتج. (tjaes.org)
كما أن استراتيجيات عدّة دول (خاصة خليجية) تعتمد الاقتصاد الرقمي كأحد الأعمدة لتحقيق التنويع الاقتصادي. مثلاً الإمارات تهدف إلى مضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي من 9.7 % إلى 19.4 % خلال 10 سنوات. (u.ae)
العلاقة بين الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة
قبل الحديث عن الفوارق، من المهم أن نفهم أن هناك علاقة تكاملية بين المفهومين، وأنهما ليسا متعاكسين بل يتداخلان.
-
الاقتصاد الرقمي يُعدّ من أدوات وآليات تمكين اقتصاد المعرفة: فالتقنيات الرقمية تُسهّل نشر المعرفة، تخزينها، الوصول إليها، وتحويلها إلى خدمات منتجات. كما ورد في تحليل على LinkedIn:
«The key difference between the knowledge economy and the digital economy is that the knowledge economy is focused on the creation and use of knowledge, while the digital economy is focused on the use of digital technologies. However, the two concepts are closely related. The digital economy has enabled the knowledge economy to flourish by making sharing and distributing knowledge easier.» (LinkedIn)
-
من الناحية الزمنية، يمكن القول إن اقتصاد المعرفة هو مرحلة أوسع أو أقدم شمولاً من الاقتصاد الرقمي، فحينما يتشكل مجتمع المعرفة – أي مجتمع يعتمد على المعرفة كمورد أساسي – تتبعه مرحلة يتحول فيها الإنتاج والخدمات إلى شكل رقمي واسع.
-
هناك أيضاً تداخل استراتيجي: دولٌ تسعى إلى اقتصاد المعرفة تحتاج إلى بنية تحتية رقمية قوية لتنفيذ ذلك، ودول تعتمد الاقتصاد الرقمي عليها يجب أن تعزز رأس المال البشري والمعرفة لتستفيد فعلياً من الرقمنة.
مثال على هذا التداخل: دراسة عربية تقول إن «اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي لا يمكن فصله في ظل الاستخدام المتزايد للشبكات والاتصالات عن بعد ورقمنة المعلومات، مما جعل اقتصاد المعرفة ذا أبعاد رقمية».
إذًا، بدلاً من النظر إليهما كمفاهيم منفصلة تمامًا، من الأنسب أن نراهما كمفهومين مترابطين، لكن مع وجود تركيز مختلف لكل منهما، مما يقودنا إلى استعراض الفوارق بينهما.
الفوارق الأساسية بين اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي
يمكن تلخيص الاختلافات من خلال عدد من المحاور أو الأبعاد، وسنتناولها ضمن عدة نقاط:
1. محور المفهوم الأساسي
-
في اقتصاد المعرفة: المفهوم الأساسي هو المعرفة نفسها – إنتاجها، نشرها، استخدامها، تحويلها إلى قيمة اقتصادية.
-
في الاقتصاد الرقمي: المفهوم الأساسي هو الرقمنة – استخدام التكنولوجيا الرقمية والبيانات والأجهزة الرقمية في الإنتاج، التوزيع، الاستهلاك.
الفارق هنا أن الأول يركز على «المعرفة» كمورد، بينما الثاني يركّز على «التقنيات الرقمية/البيانات» كمحرك.
2. محور الأهداف/المخرجات
-
أهداف اقتصاد المعرفة ترتبط بزيادة كفاءة رأس المال البشري، تعزيز الابتكار، تحسين جودة المنتجات والخدمات، رفع القيمة المضافة الناتجة عن المعرفة.
-
أهداف الاقتصاد الرقمي ترتبط بقيادة التحول الرقمي، توسيع نطاق الوصول الرقمي، تحسين كفاءة الخدمات الرقمية، خفض التكاليف وتحسين الإنتاجية عبر التكنولوجيا الرقمية.
3. محور نطاق التطبيق
-
اقتصاد المعرفة يمكن أن ينطبق على كل القطاعات الاقتصادية – سواء صناعية أو زراعية أو خدمية – لكن بتركيز على المعرفة والابتكار.
-
الاقتصاد الرقمي غالباً ما يكون أكثر تحديداً في القطاعات التي تُستخدم فيها التكنولوجيا الرقمية أو الخدمات الرقمية – تكنولوجيا المعلومات، الاتصالات، المنصّات الرقمية، التجارة الإلكترونية، الخدمات الرقمية.
4. محور العوامل المحفّزة
-
اقتصاد المعرفة يحتاج إلى: التعليم والتدريب، البحث والتطوير، إبداع، حماية الملكية الفكرية، تعاون أكاديمي-صناعي-حكومي.
مثلاً: دراسة «Becoming a Knowledge Economy» استخدمت أربع ركائز: تكنولوجيا المعلومات والاتصال، التعليم، الابتكار، النظام المؤسسي. (arXiv)
-
الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى: بنية تحتية رقمية، شبكات اتصال، أجهزة، أمن سيبراني، تشريعات رقمية، تبنّي التقنيات الرقمية، بيانات وإحصاءات. مثال: WIPO حددت «Digital Infrastructure» و«Enabling Technologies» ضمن ركائز الاقتصاد الرقمي. (wipo.int)
5. محور طبيعة القيمة الاقتصادية
-
في اقتصاد المعرفة، القيمة ناتجة من المعرفة نفسها: براءات الاختراع، الخدمات المعرفية، الأبحاث، الخبرات، رأس المال البشري المميز.
-
في الاقتصاد الرقمي، القيمة غالباً ناتجة من التكنولوجيا أو الخدمات الرقمية أو البيانات أو المنصّات الرقمية أو الاقتصاد التشاركي الرقمي.
6. محور التأثير على النمو والتطور
-
اقتصاد المعرفة يُعتبر ظاهرة ما بعد التصنيع – الدول التي تنتقل إلى اقتصاد معرفة تحقق تحسينات كبيرة في الإنتاجية والنمو.
-
الاقتصاد الرقمي يُعتبر عامل تسريع للتحول الاقتصادي، ويمكن أن يُحدث تغيّرات هيكلية سريعة في الاقتصاد – عن طريق الرقمنة، المنصّات، التغيّر في نماذج العمل والتجارة.
7. محور الأولوية السياسية
-
الدول التي تركز على اقتصاد المعرفة غالباً تضع سياسات تعليمية، بحث وتطوير، تحسين المهارات، حماية الملكية الفكرية.
-
الدول التي تركز على الاقتصاد الرقمي تضع سياسات بنية تحتية رقمية، تشريعات رقمية، دعم المنصّات الرقمية، الدفع الإلكتروني، الذكاء الاصطناعي، المدن الذكية.
مثال مقارن
-
إذا قامت دولة ما بزيادة ميزانية الجامعات والبحوث، وركزت على تطوير مهارات الابتكار وريادة الأعمال، فهي تسعى إلى اقتصاد المعرفة.
-
وإذا قامت دولة بتوسيع شبكة الإنترنت، وشجّعت التجارة الإلكترونية والدفع الرقمي، وأنشأت منظومة المدن الذكية، فهي تسعى إلى الاقتصاد الرقمي.
خلاصة الفوارق
باختصار: اقتصاد المعرفة = المعرفة كمورد محوري، بينما الاقتصاد الرقمي = الاقتصاد المبني على التكنولوجيات الرقمية والبيانات. لكن هذا لا يعني أنهما منفصلان؛ بل الاقتصاد الرقمي هو أحد أوجه تطبيق اقتصاد المعرفة أو أحد تمظهراته في العصر الرقمي.
مؤشرات القياس لكلا المفهومين
لكل من المفهومين أدوات ومؤشرات لقياس التقدم، وسنستعرض أبرزها.
مؤشرات اقتصاد المعرفة
-
مؤشر “اقتصاد المعرفة” لدى البنك الدولي (Knowledge Economy Index – KEI) الذي يعتمد على بعض الركائز مثل البيئة المؤسسية، التعليم، الابتكار، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
-
دراسات عربية قيّمت مدى مساهمة اقتصاد المعرفة في كفاءة أداء رأس المال البشري. مثلاً الدراسة السعودية: «أثر الاقتصاد المعرفي في تحسين كفاءة الأداء لرأس المال البشري ». (EKB Journals)
-
قطعاً يتم النظر إلى مؤشرات مثل حصة البحث والتطوير من الناتج المحلي، عدد براءات الاختراع، عدد الخريجين في مجالات العلوم والتكنولوجيا، نسبة المستخدمين لتكنولوجيا المعلومات في الأعمال، والمؤسسات التي تطبّق الابتكار.
مؤشرات الاقتصاد الرقمي
-
الإطار الذي حدده البنك الدولي (DE4LAC Digital Economy Framework) وُيحدد ركائز مثل البنية التحتية الرقمية، المهارات، الابتكار، اعتماد الرقمنة. (البنك الدولي)
-
تقرير Strategy& الذي قدّم «Digital Economy Index» القائمة على 5 ركائز: الأسس (Foundations)، المواهب (Talent)، الابتكار (Innovation)، التبني (Adoption)، الإنتاج المحلي (Local Production). (PwC)
-
مؤشرات مثل: نسبة استخدام الإنترنت عريض النطاق، زمن تحميل الإنترنت، نسبة المعاملات الإلكترونية، عدد مستخدمي الأجهزة الذكية، حجم الاقتصاد الذي يتم عبر التجارة الإلكترونية، حصة القطاع الرقمي من الناتج المحلي.
-
مثال: في دولة الإمارات، «استراتيجية الاقتصاد الرقمي» تسعى إلى مضاعفة نسبة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي من 9.7٪ إلى 19.4٪ خلال 10 سنوات. (u.ae)
ملاحظات مقارنة
-
اقتصاد المعرفة غالباً ما يُقاس من خلال مقاييس نوعية (مهارات، ابتكار، بحث)، بينما الاقتصاد الرقمي يُقاس أيضاً من خلال مقاييس كمية (شبكات، معاملات، أجهزة، بيانات، اقتصاد المنصّات).
-
قد يكون هناك تداخل في المؤشرات (مثلاً مهارات تكنولوجيا المعلومات مرتبطة بالاقتصاد الرقمي لكن هي أيضاً ركِيزة في اقتصاد المعرفة).
التحديات التي تواجه كل من المفهومين
التحديات في اقتصاد المعرفة
-
ضعف رأس المال البشري: نقص الكفاءات والمهارات اللازمة للمعرفة والابتكار. مثلما أشارت دراسة سعودية إلى أن «المملكة لا تزال لا تتسم باقتصاد معرفة بالرغم من الإمكانات». (EKB Journals)
-
ضعف نظام البحث والتطوير: انخفاض الاستثمار في البحث العلمي، ضعف الحوافز لتحويل البحث إلى تطبيقات واقعية.
-
ضعف البيئة المؤسسية: حماية الملكية الفكرية، السياسات التشريعية، الربط بين الجامعات والصناعة.
-
عدم القدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وتحقيق الربح أو الإنتاج التجاري منها.
-
الفجوة المعرفية بين الدول أو داخل الدولة (المراكز الحضرية مقابل الريفية) – ما يُعرف بـ “knowledge divide”. (ويكيبيديا)
التحديات في الاقتصاد الرقمي
-
البنية التحتية الرقمية غير كاملة أو غير متكافئة: ضعف تغطية الإنترنت أو سرعة منخفضة أو تكلفة مرتفعة. مثلاً إطار المملكة العربية السعودية يشير إلى أولويات «توسيع التغطية الرقمية». (استعلام)
-
الفجوة الرقمية (digital divide): تفاوت الوصول إلى التكنولوجيا والمهارات الرقمية بين شرائح المجتمع.
-
الأمن السيبراني وحماية البيانات: مع التحول الرقمي تنشأ مخاطر كبيرة للخصوصية والبيانات.
-
التشريعات والتنظيم: غالباً التشريعات لا تواكب السرعة الرقمية، وهناك تحدّي في تنظيم الاقتصاد الرقمي (منصّات، بيانات، العملات الرقمية).
-
الاعتماد على التكنولوجيا وحدها دون تطوير مهارات المستخدمين أو تغيير نماذج العمل – مما يؤدي إلى عدم تحقيق القيمة الكاملة للرقمنة.
-
تغيّر سريع في التقنيات ما يجعل من الصعب مواكبة التحديث والتدريب المستمر.
التحديات المشتركة
-
كلا المفهومين بحاجة إلى تمويل طويل الأجل وسياق مؤسسي مستدام.
-
التغيير الثقافي والسلوكي: المعرفة والرقمنة تحتاجان إلى قبول مجتمعي وثقافة تعلم مستمر.
-
ضمان أن فوائد هذه الاقتصاديات توزّع بعدالة، وإلا قد يحدث اتساع للفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
سياسات واستراتيجيات التحول نحو كل من الاقتصادين
استراتيجيات لتعزيز اقتصاد المعرفة
-
الاستثمار في التعليم العالي والتدريب المهني، التركيز على مهارات الابتكار والبحث العلمي.
-
دعم البحث والتطوير، تشجيع الشراكات بين الجامعات والصناعة، إنشاء مراكز ابتكار وتكنولوجية.
-
تشجيع الملكية الفكرية، وحماية حقوق المخترعين والمبدعين، وتحفيز الشركات الصغيرة والمتوسطة على استخدام المعرفة.
-
بناء ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، دعم الحاضنات والمسرّعات، تسهيل الإجراءات التنظيمية.
-
تعزيز البنية التحتية المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات كتمهيد لاقتصاد المعرفة.
استراتيجيات لتعزيز الاقتصاد الرقمي
-
تطوير البنية التحتية الرقمية الشاملة (إنترنت عالي السرعة، مراكز بيانات، شبكات الجيل الخامس، إنترنت الأشياء).
-
رفع المهارات الرقمية لدى المواطنين، من خلال برامج التدريب، وإعادة التأهيل، وتعليم تكنولوجيا المعلومات.
-
تطوير التشريعات والتنظيم: قوانين حماية البيانات، الأمن السيبراني، دعم التجارة الإلكترونية، تنظيم المنصّات الرقمية.
-
تشجيع الابتكار الرقمي، دعم الشركات الناشئة في التكنولوجيا، الاقتصاد التشاركي، الدفع الإلكتروني، الذكاء الاصطناعي.
-
تضمين التحول الرقمي في جميع القطاعات (الحكومة، التعليم، الصحة، النقل، المالية) بحيث يتحوّل الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد رقميداعم. مثلاً في دولة الإمارات «استراتيجية الاقتصاد الرقمي» التي تشمل أكثر من 30 مبادرة وتطبيقات في 6 قطاعات. (u.ae)
-
قياس ومتابعة الأداء: استخدام مؤشرات واضحة لمساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي، عدد المعاملات الرقمية، مستوى تبني التقنية.
تجارب عربية
-
مثال: المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 وضعت أهدافًا واضحة لتوسيع الاقتصاد الرقمي وتطوير اقتصاد المعرفة معاً، وركّزت على البنية التحتية الرقمية والتعليم والابتكار. مثلا: «اقتصاد المعرفة ودور التعليم العالي». (الاقتصادية)
-
في الشرق الأوسط هناك مبادرات لتعزيز البنية التحتية الرقمية كمحفّز رئيسي للاقتصاد الرقمي. (Future UAE)
هل لدينا أولوية بينهما في الدول النامية؟
بينما الدول المتقدمة قد تختار الانتقال مباشرة إلى اقتصاد الرقمنة العالية بعد بناء اقتصاد المعرفة، فإن الدول النامية غالباً تواجه خياراً أو تتطلب تسلسلًا أو تأقلمًا: هل تركّز أولاً على اقتصاد المعرفة أم على الاقتصاد الرقمي؟ الجواب يعتمد على السياق:
-
إذا كانت البنية التحتية الرقمية ضعيفة، فقد يكون من الأولويات بناءها – وبالتالي التركيز على الاقتصاد الرقمي قد يمهّد الطريق.
-
لكن إذا كانت القوى البشرية ضعيفة من حيث التعليم والابتكار، فقد يكون اقتصاد المعرفة هو الأساس الذي يُعدّ لرقمنة فعالة.
-
في الواقع، ينصح بأن يتم السير في مسارين موازين – بناء المعرفة + الرقمنة في آن واحد، لأن أحدهما يعزّز الآخر.
-
السياسة الذكية قد تكون “خلق اقتصاد معرفة قابل للرقمنة” – بمعنى أن المعرفة تُنتَج وتُحوّل رقمياً، والرقمنة تُستخدم لنشر المعرفة.
بعض الآراء والنقد
-
بعض النقّاد يقولون إن مصطلحي اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي يُستخدمان بعبارات تسويقية أكثر مما في الواقع، وأنه لا يزال هناك فجوة كبيرة بين القول والفعل. دراسة «اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي.. ماذا تقول المؤشرات؟» ناقشت هذا الأمر. (الاقتصادية)
-
وهناك من يشير إلى أن التركيز على الرقمنة وحدها دون النظر إلى البُعد البشري (المهارات والمعرفة) قد يؤدي إلى نتائج أقل فعالية، فالرقمنة “أداة” وليست غاية.
-
كذلك هناك ملاحظة أن التحوّل الرقمي قد يؤدي إلى تفاقم الفجوة الرقمية والفكرية بين من يملكون المهارات ومن لا يملكونها، وبالتالي قد يؤدي إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي.
-
في سياق اقتصاد المعرفة، هناك انتقاد بأن بعض الدول ترمي إلى التحوّل إلى اقتصاد معرفة لكنها لا تملك منظومة بحث وتطوير فعلية أو تطبّق المعرفة في الاقتصاد (أو تفشل في تحويلها إلى قيمة اقتصادية).
التطبيقات والمثاليات
مثال في اقتصاد المعرفة
– شركة استشارات متخصصة تقدم خبرات عالية في تحليل البيانات للشركات الأخرى: هنا المعرفة (تحليل البيانات) هي المصدر الأساسي للقيمة.
– جامعة تُنتج أبحاثاً تُحوّل إلى حلول صناعية: المعرفة تُحوّّل إلى خدمة/منتج.
– بلد يرفع من نسبة الخريجين في تخصصات التكنولوجيا العالية، ويزيد من براءات الاختراع، ويُحفّز الابتكار والشركات الناشئة.
مثال في الاقتصاد الرقمي
– منصة تجارة إلكترونية تعمل عبر الإنترنت وتُقدّم سلعاً وخدمات بوساطة رقمية: الرقمنة والتقنيات الرقمية هما العنصر الأساسي.
– نظام دفع إلكتروني، أو تطبيق توصيل، أو اقتصاد التشارك عبر تطبيقات: هذه كلها مظاهر الاقتصاد الرقمي.
– بلد يُنشئ بنية تحتية للإنترنت 5G، ويوسّع استخدام الحوسبة السحابية، ويطبق الحكومة الرقمية: كلها تداعيات للاقتصاد الرقمي.
التداخل بينهما
– شركة تطوير برمجيات (معرفة) تقوم بتقديم خدمات سحابية عبر الإنترنت (رقمي).
– جامعة (معرفة) تُطلق منصة تعليمية رقمية – بذلك تجمع المعرفة والرقمنة.
– بلد يُطوّر مهارات تكنولوجيا المعلومات (معرفة) وفي الوقت نفسه يُنشئ بنية تحتية للبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي (رقمي).
ما هو الأنسب للدول التي تعمل على تنمية اقتصاداتها؟
-
من المهم أن تنظر الدول إلى خارطة طريق متناسقة:
-
تقييم الوضع القائم: ما مدى مهارات القوى البشرية؟ ما مدى البنية التحتية الرقمية؟ ما مدى وجود البحث والابتكار؟
-
بناء قاعدة المعرفة: تطوير التعليم، البحث، الابتكار، حماية الملكية الفكرية، وتعزيز رأس المال البشري.
-
بناء بنية تحتية رقمية قوية: إنترنت واسع النطاق، أجهزة، بيانات، تشريعات رقمية، الأمن السيبراني.
-
تحويل المعرفة إلى قيمة رقمية: تشجيع الشركات الناشئة، الرقمنة في القطاعات التقليدية، المنصّات الرقمية.
-
قياس التقدم: استخدام مؤشرات واضحة لكل من اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي، ومتابعة تنفيذ السياسات.
-
ضمان الشمول والعدالة: التأكد من أن التحول لا يترك شرائح كبيرة من المجتمع خارج التغطية أو يفصِلهم عن فرص التعلّم والعمل.
-
-
الدول التي تملك موارد طبيعية كبيرة لكنها ترغب في التنويع (مثل بعض دول الخليج) غالباً ما ترى أن الاقتصاد الرقمي هو طريق سريع للتنويع، لكن بدون اقتصاد معرفة قوي لن يكون الناتج الرقمي مستداماً أو ذي قيمة عالية.
-
والعكس: الدول التي تملك قاعدة معرفة جيدة لكنها بنية رقمية ضعيفة قد تواجه صعوبة في نشر خدماتها أو تصديرها دولياً.
توصيات
اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي ليسا نفس المفهوم، وإن كان هناك تداخل كبير بينهما.
-
اقتصاد المعرفة يركّز على المعرفة كمورد ومحور النمو، بينما الاقتصاد الرقمي يركّز على الرقمنة والتكنولوجيا الرقمية كأساس للنشاط الاقتصادي.
-
لكل منهما ركائزه الخاصة، مؤشرات قياس خاصة، وتحديات وسياسات مميّزة.
-
التحول الفعلي نحو أحدهما أو كليهما يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأجل، واستثمارات في البشر والبنية التحتية والتنظيم.
-
في العالم العربي والدول النامية، من الأهمية بمكان أن تُكمل سياسات اقتصاد المعرفة سياسات الاقتصاد الرقمي، والعكس بالعكس، فهما شريكان في التنمية وليسا بديلين متعارضين.
دمج الجانبين: عند وضع استراتيجية وطنية، يُنصح بأن تضمّ رؤية للاقتصاد المعرفي (بناء المهارات والابتكار) مع رؤية للاقتصاد الرقمي (البنية التحتية الرقمية والخدمات الرقمية).
-
الأولوية لبناء رأس المال البشري: قبل أن تُركّز بشكل كامل على التكنولوجيا، يجب أن تضمن أن البشر – المواطنون والقوى العاملة – لديهم المهارات والمعرفة اللازمة للاستفادة من الرقمنة.
-
بناء بنية تحتية رقيمة متينة: الإنترنت عالي السرعة، الحوسبة السحابية، الأمن السيبراني، البيانات، كلها ضرورية لتحقيق الاقتصاد الرقمي، وتدعم اقتصاد المعرفة أيضاً.
-
تشجيع الابتكار والتحول المعرفي إلى تجاري: من المهم أن يتم تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات، وليس فقط إنتاج الأبحاث. وتشجيع الشركات الناشئة في هذا المجال.
-
ضمان العدالة الرقمية والمعرفية: لا يكفي أن تكون هناك شبكة إنترنت، بل يجب أن تكون هناك سياسات لتمكين الوصول والاستخدام الفعّال، ودمج الفئات المهمّشة، وتحسين المساواة في الفرص.
-
استخدام مؤشرات واضحة للقياس والمتابعة: تأكد من أن الحكومات والمؤسسات تستخدم مؤشرات واقعية لكلا الاقتصادين – مؤشرات المعرفة والمؤشرات الرقمية – وتتابع التقدم وتقوم بالتعديلات اللازمة.
-
تشريعات وتنظيم ملائمان: يجب أن تترافق التحولات الرقمية والمعرفية ببيئة تنظيمية تشجّع الابتكار وتحمي البيانات والملكية الفكرية وتسهل ريادة الأعمال.
-
التعلّم المستمر: بسبب سرعة تغيّر التقنية والمعرفة، من الضروري أن تُخلق آليات للتعلّم المستمر وإعادة التأهيل وتحديث المهارات بانتظام.

0 Comments: