عمرو بن لُحَيّ وبداية عبادة الأصنام في جزيرة العرب
نعلم جميعًا أن عبادة الأصنام بدأت في قوم نبي الله نوحٍ عليه السلام، إذ كان فيهم رجالٌ صالحون، فلما ماتوا نحت قومهم لهم تماثيل؛ ليُذكِّروهم بصلاحهم وعبادتهم لله. ومع مرور الزمن، جاء إبليس فزيَّن لهم عبادتها، فعبدوها من دون الله، وسمَّوها بأسماء أولئك الصالحين، وكان قصدهم في البداية التذكير بالعبادة، ثم تحوَّل الأمر إلى شركٍ صريح، حيث ظنَّت الأجيال اللاحقة أنها تقرِّبهم إلى الله.
أما في جزيرة العرب، فقد وُجدت قبل الإسلام ديانات متعددة؛ كاليهودية، والنصرانية، والحنيفية، وهي دين إبراهيم عليه السلام. وكان من عادة العرب قديمًا أنهم إذا ضاق بهم الأمر أو أرادوا السفر، أخذ أحدهم حجرًا من حجارة مكة؛ تعظيمًا لحرمها، فإذا طاف بالكعبة حمله معه، وإذا خرج من مكة أخذه تبركًا به. ومع مرور الوقت، تطوَّر هذا التعظيم، فبدؤوا يُزيِّنون تلك الحجارة ويشكِّلونها، حتى عظَّموها تعظيمًا كبيرًا.
ثم جاء رجل يُقال له عمرو بن لُحَيّ، وكان له دورٌ كبير في إدخال عبادة الأصنام إلى جزيرة العرب. فقد خرج من مكة إلى الشام لقضاء بعض حاجاته، حتى قدم منطقة مآب من أرض البلقاء (في الأردن حاليًا)، وكانت تسكنها قبائل يُقال لهم العماليق، ويُقال إنهم من ذرية عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح. فرآهم يعبدون الأصنام، فتعجَّب من فعلهم، وسألهم عنها، فقالوا: هذه أصنام نعبدها، ونستسقي بها المطر فيُسقَون. فطلب منهم أن يعطوه صنمًا منها، فأعطوه صنمًا يُقال له "هُبَل". فجاء به إلى مكة، ووضعه عند الكعبة، ودعا الناس إلى عبادته، فكان ذلك بداية انتشار عبادة الأصنام في جزيرة العرب.
وقد ورد عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ قال:
«رأيتُ عمرو بن عامر الخزاعي يجرُّ قُصْبَه في النار»، وذلك لما أحدثه من تغيير دين إبراهيم عليه السلام وإدخال الشرك.
ومع كون مكة مركزًا يجتمع فيه العرب للحج والتجارة، انتشرت عبادة الأصنام بسرعة بين القبائل، حتى صار لكل قبيلة صنمٌ خاص بها. فكانت قبيلة هُذيل تعبد "سُواعًا"، وقبيلة كلب بدومة الجندل تعبد "وُدًّا"، وأخذت طيء "يَغوث"، وكان "يَعوق" لهَمْدان.
وقد قال مالك بن نَمَط الهمداني مستهزئًا بصنم قومه:
يريشُ اللهُ في الدنيا ويُبري
ولا يدري يعوقُ ولا يريشُ
أي إن الله هو الذي يرزق ويُنعِم، لا تلك الأصنام التي لا تملك نفعًا ولا ضرًّا.
ويُذكر أن بني مُلَيكَان من كنانة كان لهم صنم يُسمَّى "سعد"، وهو صخرة عظيمة في فلاة، وكانوا يذبحون عنده وينضحون عليه الدماء. فجاءه رجلٌ له إبل كثيرة يطلب البركة، فلما رأت الإبل ما يُفعل عند الصنم نفرت وتفرَّقت، فغضب الرجل وضرب الصنم، وقال:
أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملَنا
فشتَّتنا سعدٌ فلا نحنُ من سعدِ
وهل سعدٌ إلا صخرةٌ بتنوفةٍ
من الأرض لا تدعو لغيٍّ ولا رشدِ
وكان في مكة أصنام كثيرة؛ منها "هُبَل" داخل الكعبة، و"إساف" و"نائلة" عند زمزم. ويُقال إن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم، فارتكبا فاحشة عند الكعبة، فمسخهما الله حجرين.
ومن عادات العرب أنهم كانوا يتمسَّحون بالأصنام قبل السفر وبعد العودة طلبًا للبركة.
فلما بعث الله النبي محمدًا ﷺ بالتوحيد، أنكرت قريش ذلك وتعجَّبت، وقالت:
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.

0 Comments: