ألعاب يلعبها الناس – إريك بيرن
تخيل أنك تجلس في مقهى وتراقب الناس من حولك.
رجل يشتكي باستمرار من مشكلاته، لكنه يرفض كل حل يُعرض عليه.
موظف يبدو وكأنه يبحث دائمًا عن شخص يلومه على أخطائه.
شخصان يتجادلان في الموضوع نفسه مرارًا وتكرارًا، وكأنهما يعيدان تمثيل مشهد محفوظ مسبقًا.
في الظاهر تبدو هذه المواقف عادية.
لكن ماذا لو كانت هناك "ألعاب" نفسية تدور خلف الكواليس؟
ألعاب لا تُلعب بالورق أو الشطرنج، بل بالكلمات والمشاعر والعلاقات الإنسانية.
هذه هي الفكرة المركزية في كتاب ألعاب يلعبها الناس للطبيب النفسي إريك بيرن.
عندما صدر الكتاب، أحدث ضجة كبيرة لأنه قدم طريقة جديدة لفهم العلاقات البشرية.
يرى بيرن أن معظم تفاعلاتنا اليومية ليست عشوائية كما نعتقد.
بل كثيرًا ما تتبع أنماطًا متكررة تشبه الألعاب، حيث يؤدي كل شخص دورًا معينًا دون أن يدرك ذلك.
ولفهم هذه الألعاب، يقدم المؤلف نظريته الشهيرة: "التحليل التفاعلي".
بحسب هذه النظرية، يحمل كل إنسان داخله ثلاث حالات نفسية رئيسية.
الأب.
والبالغ.
والطفل.
الأب يمثل القواعد والتعليمات والأحكام التي تعلمناها من الآخرين.
والبالغ يمثل الجزء العقلاني الذي يحلل الواقع ويتخذ القرارات بهدوء.
أما الطفل فيمثل المشاعر والرغبات والذكريات والانفعالات القديمة.
وخلال أي محادثة، قد يتحدث الشخص من إحدى هذه الحالات دون أن ينتبه.
وهنا تبدأ التعقيدات.
فإذا تحدث شخص من موقع "الأب الناقد"، قد يرد الآخر من موقع "الطفل المتمرد".
وإذا تكرر هذا النمط، تتحول العلاقة إلى لعبة نفسية متكررة.
ثم يأخذنا الكتاب إلى أشهر هذه الألعاب.
لعبة "نعم، ولكن..."
فيها يطلب شخص النصيحة، وعندما تقدم له حلًا، يرد دائمًا:
"نعم، ولكن هذا لن ينجح."
ثم يرفض الحل التالي بالطريقة نفسها.
وفي النهاية يشعر الجميع بالإحباط.
لكن الهدف الحقيقي لم يكن إيجاد حل أصلًا.
بل تأكيد شعوره بأن مشكلته لا حل لها.
وهناك لعبة أخرى تقوم على تبادل اللوم.
حيث يبحث كل طرف عن إثبات أن الآخر هو المسؤول عن الفشل أو المعاناة.
ولعبة ثالثة يظهر فيها الشخص كضحية دائمة تنتظر من ينقذها، ثم ترفض المساعدة عندما تأتيها.
ومع تقدم الفصول، يكشف بيرن أن هذه الألعاب تمنح المشاركين مكاسب نفسية خفية.
فقد تمنحهم الاهتمام.
أو الشعور بالتفوق.
أو تبرير الفشل.
أو الهروب من مواجهة مشكلات أعمق.
لكن الثمن يكون باهظًا.
لأن العلاقات تتحول إلى دوائر متكررة من الصراع وسوء الفهم.
ويؤكد الكتاب أن التحرر من هذه الألعاب يبدأ بالوعي.
عندما يدرك الإنسان النمط الذي يكرره، يصبح قادرًا على الخروج منه.
وعندما يتحدث من حالة "البالغ" بدل الانجراف إلى الأدوار القديمة، تصبح العلاقات أكثر صدقًا وصحة.
وفي النهاية يصل الكتاب إلى فكرة عميقة:
كثير من الناس لا يعيشون حياتهم بالكامل في الحاضر.
بل يعيدون تمثيل سيناريوهات نفسية تعلموها منذ الطفولة.
وما لم ينتبهوا لذلك، سيستمرون في لعب الأدوار نفسها مع أشخاص مختلفين طوال حياتهم.
تعليق على الكتاب
يُعد ألعاب يلعبها الناس من أكثر الكتب تأثيرًا في علم النفس الشعبي، وقد ساهم في نشر أفكار التحليل التفاعلي خارج الأوساط الأكاديمية. وما زالت مفاهيمه تُستخدم في فهم العلاقات الشخصية والعملية والتواصل الإنساني.
نقد أدبي وفكري
تكمن قوة الكتاب في قدرته على كشف الأنماط الخفية داخل المحادثات والعلاقات اليومية، كما أن أمثلته تجعل القارئ يرى نفسه والآخرين من زاوية جديدة.
في المقابل، يرى بعض علماء النفس أن بعض التصنيفات والألعاب التي يقدمها بيرن قد تبدو مبسطة أو عامة أكثر من اللازم، وأن السلوك البشري أعقد من أن يُفسر دائمًا من خلال هذه النماذج.
ومع ذلك، يبقى ألعاب يلعبها الناس كتابًا كلاسيكيًا مهمًا، لأنه يطرح سؤالًا لا يفقد أهميته: كم من قراراتنا وعلاقاتنا نختارها بوعي، وكم منها مجرد أدوار قديمة ما زلنا نكررها دون أن نشعر؟

0 تعليقات